ابن عربي

50

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

الكتمان ، فإنّ صاحب الكتمان له سلطان على الحب والبائح يغلب عليه سلطان الحب فهو أعشق ولا يحجبنك قول المحب القائل : باح مجنون عامر بهواه * وكتمت الهوى فمتّ بوجدي فإذا كان في القيامة نودي * من قتيل الهوى تقدمت وحدي فإن هذا القائل لم يتمكن منه الحب تمكن من لم يترك فيه سلطان غيره فإنّ الذي حجب الحبّ عن ظهور سلطانه أقوى منه ، فكان عقله أغلب ولا خير في حب يدبر « 1 » بالعقل ، بل أحكام المحبة تناقض تدبير العقول . فإذا قلت : هبوا لي نظرة ! * قيل ما تمنع إلا شفقا يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام : « لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره » « 2 » ، فكان إرسال الحجب بين السبحات وبين الخلق رحمة بهم وإشفاقا على وجودهم ، فإن قيل : فقد وعد بالرؤية في دار الآخرة فكيف يكون البقاء هناك ولا فرق بين الدارين من كونهما مخلوقتين وممكنين ؟ قلنا : إذا فهمت معنى إضافة السبحات إلى وجهه ، وفرقت بين هذا القول وقوله : ترون ربكم ، وقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] ، فعلق الرؤية بالربّ والإحراق بالوجه ، وقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] يعني الوجه عرفت حينئذ الفرق بين الخبرين وتحققت أنّ هذا الاعتراض غير لازم ويريد أيضا بقوله : هبوا لي نظرة ، وقوله : ما تمنع إلا شفقا لأن الوجد وأليم الحب والنظر إلى المحبوب يزيده وجدا إلى وجده وحبّا إلى حبه فكأنه يطلب الزيادة من عذابه فقيل له : نحن نشفق عليك لذلك وليس مع الحب تدبير فإنه يعمي ويصم والمحبوب صاح فيرفق به من حيث لا يريد المحب : ما عسى تغنيك منهم نظرة * هي إلّا لمح برق برقا يقول : إنّ هذه النظرة لا تغني من الوجد شيئا فإنّ مثلها في الفعل بالقلب مثل فعل ماء البحر بالظمآن كلما ازداد شربا ازداد عطشا ، ثم أنك لما كنت مركبا وأنت مدبر لمركب ولم تكن بسيطا لم يتمكن لك دوام الرؤية بحكم الاتصال ، فإنك مطلوب بإقامة ملك بدنك وتدبيره فلا بد لك من الرجوع إليه وإرسال الحجب بينك وبين مطلوبك الذي تيمك وهيمك وهيجك بنيران تلك النظرة بذلك التجلي بمنزلة لمحك للبرق إذا برق وهو الوقت الذي لا يسعك فيه غير ربك . لست أنسى إذ حدا الحادي بهم * يطلب البين ويبغي الأبرقا يقول : لما دعوا من جانب الحق هؤلاء الروحانيات العلى الذين كانوا جلساء في

--> ( 1 ) دبر النهار : ذهب وولّى . ( 2 ) أخرجه مسلم ( إيمان 293 ) ، وابن ماجة ( مقدمة 13 ) ، وأحمد بن حنبل 4 ، 401 ، 405 ) .